ابن البيطار
48
تفسير كتاب دياسقوريدوس
من بينها نسخة جيّدة مزيّنة بالرّسوم من كتاب ديوسقريديس في نصّه اليوناني . لكنّ الأطبّاء والصّيادلة المحيطين بالخليفة - وقد كان منهم « قوم لهم بحث وتفتيش وحرص على استخراج ما جهل من أسماء عقاقير ديسقوريدس » « 22 » - كان معظمهم يجهل اللغة اليونانية ، فطلب عبد الرحمن الناصر من الملك البيزنطيّ أن يرسل إلى قرطبة عالما يتقن اللسانين اللاتينيّ واليونانيّ ليعين العلماء الأندلسيّين على حلّ مشكلات الكتاب حتى تتمّ الاستفادة منه . فأرسل إليه عالما يدعى « نقولا الراهب » انضمّ إلى أطبّاء الخليفة النّاصر وعمل معهم في « تفسير » مصطلحات الكتاب وخاصّة منها التي بقيت مجهولة في ترجمة اصطفن وحنين . وقد لخّص ابن جلجل - فيما رواه عنه ابن أبي أصيبعة - النتائج التي انتهت إليها الجماعة بقوله : « فصحّ يبحث هؤلاء النّفر الباحثين عن أسماء عقاقير كتاب ديسقوريدس ( . . . ) ما أزال الشّكّ عن القلوب وأوجب المعرفة بها بالوقوف على أشخاصها وتصحيح النّطق بأسمائها بلا تصحيف ، إلّا القليل الذي لا بال به ولا خطر له ، وذلك يكون في مثل عشرة أدوية » « 23 » . ولا شكّ أن هذا الثّناء من ابن جلجل على هذه المراجعة مبالغ فيه ، ذلك أن العقاقير التي استعصت على المراجعين فبقيت عندهم هم أيضا مجهولة تتجاوز العشرة بكثير ، ثم إنّ الجماعة كانوا « يعرّبون » في الغالب المصطلحات اليونانيّة بمصطلحات لاتينيّة ، وهذه المشاكل تستنتج من عمل ابن جلجل نفسه في « تفسير » كتاب ديوسقريديس ، وقد كان من المسهمين في المراجعة الأندلسيّة والمنتفعين بها . وثانية المراجعتين تمّت في بلاد فارس ، قام بها عالم يدعى أبا عبد اللّه الحسين بن إبراهيم الناتلي الطّبريّ سنة 380 ه / 990 م ، ولا نعرف عن هذه المراجعة شيئا ذا بال يمكّننا من الحديث عن قيمتها لعدم اطّلاعنا عليها . ومهما يكن من أمر فإن عمل النّاتلي ليس « ترجمة مصحّحة » كما اعتبره بروكلمان « 24 » بل هو مراجعة لأنّ النّاتلي انطلق في عمله من ترجمة اصطفن وحنين ، وذلك ما تشير إليه مخطوطة الكتاب
--> ( 22 ) ابن أبي أصيبعة : عيون الانباء ، 2 / 47 . ( 23 ) نفسه ، 2 / 48 . ( 24 ) بروكلمان : تاريخ الأدب العربي ، 4 / 122 .